محمد ابراهيم شادي

85

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

الثالث : طريق الاستهواء الصوتي وهو الأثر الذي يترتب على ذلك التوزيع والترتيب وعلى مراعاة تلك الفواصل ، وهذا الأثر طبيعي في كل نفس وكان الرافعي شديد الاعتداد به في عده من أبرز وجوه الإعجاز " فهي « 1 » تشبه في القرآن أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كل نفس تفهمه وكل نفس لا تفهمه ، ثم لا يجد من النفوس في كل حال إلا الإقرار والاستجابة ، ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره . وهذه العبارة تدل على أن الرافعي كان يرى في الإعجاز الصوتي رأس وجوه الإعجاز ؛ لأنه الوجه الذي يجعل القرآن معجزا لسائر الأجناس " ولو نزل القرآن بغير هذا الوجه الصوتي لما وجد فيه أثر يتعدى أهل هذه اللغة إلى أهل اللغات الأخرى " « 2 » . وفي هذه العبارة اتجاه واضح إلى حصر الإعجاز في الأداء الصوتي بالنسبة لغير العرب وهذا قول لا يسلم به ؛ لأن الناحية الصوتية وجه من وجوه الإعجاز ولا ينحصر الإعجاز فيها حتى ولو كان ذلك لغير العرب لأن القرآن معجز بمعانيه ومبانيه وهناك الكثيرون ممن دخلوا في هذا الدين ولم يسمعوا آية واحدة من القرآن ولكن لمجرد أنهم قرءوا معانيه المترجمة إلى لغاتهم . والرافعي لا يرى لإعجاز النظم الصوتي أو ما سماه أحيانا ببلاغة النغم تعليلا غير تساوق الحروف على أصول مضبوطة من بلاغة النغم بالهمس والجهر والقلقلة والصفير والمد والغنة ونحوها ، ثم اختلاف ذلك في الآيات بسطا وإيجازا وابتداء وردا وتكريرا ، وهذا لا ينضبط بحركات وسكنات كأوزان الشعر ، ولا يضبط بمقاطع الكلمات التي تجرى فيها الألحان ولا إلى أصوات الحروف كما في كلام العرب أحيانا ، ولكن للقرآن خصوصية في ترتيب وتوزيع حروفه ذات الصفات والمخارج الخاصة ترتيبا وتوزيعا يؤدى إلى الاستهواء النفسي بما فيه من انسياب وسلاسة ، ناهيك عن قواعد الترتيل والتجويد وما يترتب عليها من جهر

--> ( 1 ) يقصد طريقة الاستهواء الصوتي . . إعجاز القرآن 247 ( 2 ) نفس المرجع والصفحة